أحمد مطلوب
534
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ « 1 » . ومن الشعر في فرس : ولئن أهنت النّفس في إكرامها * فبها لي الإكرام وهي تهان « 2 » وليس هذا المعنى بيعيد عن معناه الآخر . عكس الظّاهر : قال ابن الأثير : « هو نفي الشيء بإثباته ، وهو من مستطرفات علم البيان وذلك أنّك تذكر كلاما يدلّ ظاهره أنّه نفي لصفة موصوف وهي نفي للموصوف أصلا » « 3 » . وأدخله ابن الأثير الحلبي في « شجاعة العربية » وقال : « وحقيقة أن تذكر كلاما يدلّ ظاهره على معنى ويراد به معنى آخر عكسه » « 4 » . كقوله تعالى : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ « 5 » . فهذا يدلّ ظاهره على أنّ هناك من يدعو مع اللّه إلها آخر وله به برهان ، وما المراد ذلك بل المراد أنّ كل من يدعو مع اللّه إلها آخر لا برهان له به . ومن أمثلته ما قاله علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - في وصف مجلس الرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - : « لا تنثى فلتأته » أي : لا تذاع سقطاته ، فظاهر هذا اللفظ أنّه كان ثم فلتات غير أنّها لا تذاع وليس المراد ذلك بل المراد أنّه لم يكن ثمّ فلتات فتنثى . وهذا الأسلوب من أغرب ما توسعت فيه اللغة العربية وأمثلته الشعرية قليلة ولذلك قال ابن الأثير : « ولقد مكثت زمنا أطوف على أقوال الشعراء قصدا للظفر بأمثلة من الشعر جارية هذا المجرى فلم أجد إلا بيتا لامرئ القيس وهو : على لاحب لا يهتدى لمناره * إذا سافه العود الديافيّ جرجرا « 6 » فقوله : « لا يهتدى لمناره » أي : أنّ له منارا إلا أنّه لا يهتدى به ، وليس المراد ذلك بل المراد أنّه لا منار له يهتدى به » « 7 » . وذكر بيتا من نظمه وهو : أدنين جلباب الحياء فلن يرى * لذيولهن على الطّريق غبار وظاهر هذا الكلام أنّ هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن فلا يظهر لذيولهن غبار على الطريق وليس المراد ذلك بل المراد أنّهن لا يمشين على الطريق أصلا أي أنّهن مخبئات لا يخرجن من بيوتهن فلا يكون إذن لذيولهن على الطريق غبار ، وهو أظهر من بيت ابن أحمر : لا تفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضبّ بها ينجحر فإنّ ظاهر المعنى أنّه كان هناك ضبّ ولكنه غير منجحر ، وليس كذلك بل المعنى أنه لم يكن هناك ضبّ أصلا . وهذا الفن من التعبير عسر لأنه لا يظهر المعنى فيه . عكس اللّفظ : قال قدامة : « إنّه مثل : « اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك » ومثل : « إنّ من خوّفك لتأمن خير ممن أمنك حتى تلقى الخوف » . وكقول عمرو بن عبيد : « اللهم أغنني بالفقر إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك » « 8 » .
--> ( 1 ) الروم 19 . ( 2 ) معالم الكتابة ص 83 - 84 . ( 3 ) المثل السائر ج 2 ص 65 ، الجامع الكبير ص 105 . ( 4 ) جوهر الكنز ص 123 . ( 5 ) المؤمنون 117 . ( 6 ) اللاحب : الطريق الواضح . سافه : شمه ، العود : البعير الهرم . الديافي : المنسوب إلى دياف بالشام . جرجر : ردد صوته . ( 7 ) المثل السائر ج 2 ص 66 . ( 8 ) جواهر الالفاظ ص 5 .